صفي الرحمان مباركفوري

259

الرحيق المختوم

وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم - ويقال : كان على شركه ، ولكنه كان ناصحا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف ، فقال : يا محمد ، أما واللّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن اللّه عافاك - فأمره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله . ولم يكن ما خافه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقا ، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة تلاوموا فيما بينهم ، وقال بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئا ، أصبتم شوكتهم وحدهم ، ثم تركتموهم ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم . ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيا ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرا صحيحا ، ولذلك خالفهم زعيم مسؤول « صفوان بن أمية » قائلا : يا قوم ، لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج - أي من المسلمين في غزوة أحد - فارجعوا والدولة لكم ، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم . إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة ، وأجمع جيش مكة علي المسير نحو المدينة ، ولكن قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن بي معبد الخزاعي ، ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه ، فقال : ما وراءك يا معبد ؟ فقال معبد - وقد شن عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة - : محمد ، قد خرج في أصحابه ، قبلكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما ضيعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط . قال أبو سفيان : ويحك ، ما تقول ؟ قال : واللّه ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - أو - حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة . فقال أبو سفيان : واللّه لقد أجمعنا الكرة ؟ ؟ ؟ عليهم لنستأصلهم . قال : فلا تفعل ، فإني ناصح . وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي ، وأخذه الفزع والرعب ، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة ، بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي ، لعله ينجح في كف هذا الجيش عن مواصلة المطاردة ، وطبعا فهو